السيد محمد مهدي الخرسان
133
موسوعة عبد الله بن عباس
ابن عباس وابن العاص في كفتي ميزان : لست في مقام الموازنة بينهما من جهة السياسة الّتي هي اللف والدوران ، ولا من جهة الأحساب والأنساب ، ولا من جهة الفضائل الخُلقية ، ففي جميع تلك الجهات بينهما البون الشاسع بُعد اليمين من الشمال ، أو قل بُعد المشرقين . ولكن أردت التنبيه على ما يقتضيه المقام لنعرف لماذا كان يأبى معاوية وعمرو بن العاص أن يكون ابن عباس حَكَماً لأهل العراق ؟ ولماذا كان يصرّ الأشعث واليمانية على أن يكون الحَكَم أبا موسى لا سواه ؟ وإنّ الّذي يقرأ حقبة تلك الحرب الطاحنة - حرب صفين - من بدايتها لابدّ وأن يمر بحديث مساومة عمرو بن العاص لمعاوية في مناصرته على حرب الإمام ، ولا يغيب عنه حديث اشتراط مصر طعمة له وبيده صك على ذلك فيما يقولون . فهو من أحرص الناس على إنجاح التحكيم لصالح معاوية ليصيب مصلحته المحققة ويملك مصر طعمة له ، ويزداد من عاجل الدنيا ثمن دينه الّذي باعه لمعاوية بثمن بخس . أمّا ابن عباس فهو منذ بداية الحرب وحتى منتهاها لم نجد له نبوة أو هفوة في قول أو فعل تنافي الدين . وهو لم يكن يرجو مطمعاً أو مطعماً في شيء يناله إزاء ما كان يبذله من جهد أو عمل ، وحتى لو أدى ذلك إلى ذهاب نفسه طعمة للرماح ودريئة للسيوف في سوح القتال ، وتلك سمة المخلصين من المؤمنين الذين كانوا مع الإمام ( عليه السلام ) ، فلم يكن أحدهم يبتغي سوى مرضاة الله تعالى والمثوبة منه سبحانه على نصرتهم للحقّ لوجه الحقّ ،